الحارث المحاسبي
26
الرعاية لحقوق الله
روى الخطيب بسنده إلى إسماعيل بن إسحاق السرّاج ، قال : قال لي أحمد بن حنبل : إن هذا - يعنى المحاسبي - يكثر الكون عندك ، فلو أحضرته منزلك وأجلستنى من حيث لا يراني ، فأسمع كلامه ؟ فقلت : السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله ، وسرني هذا الابتداء من أبى عبد الله . فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة ، فقلت : وتسل أصحابك أن يحضروا معك . فقال : يا إسماعيل ، فيهم كثرة ، فلا تزدهم على الكسب « 1 » والتمر ، وأكثر منهما ما استطعت . ففعلت ما أمرني به ، وانصرفت إلى أبى عبد الله فأخبرته ، فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار ، فاجتهد في ورده إلى أن فرغ ، وحضر الحارث وأصحابه ، فأكلوا ثم قاموا لصلاة العتمة ، ولم يصلوا بعدها ، وقعدوا بين يدي الحارث ، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل ، فابتدأ واحد منهم ، وسأل الحارث عن مسألة فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون ، وكأن على رؤوسهم الطير ، فمنهم من يبكى ، ومنهم من يزعق ، وهو في كلامه . فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبى عبد الله ، فوجدته قد بكى حتى غشى عليه ، فانصرفت إليهم ، ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا . فصعدت إلى أبى عبد الله وهو متغير الحال ، فقلت : كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله ؟ فقال : « ما أعلم أنى رأيت مثل هؤلاء القوم ، ولا سمعت في علم الحقائق مثل هذا الرجل . وعلى ما وصفت من أحوالهم إني لا أرى لك صحبتهم » ثم قام وخرج « 2 » . قال البيهقي : « يحتمل أنه كره له صحبتهم لأن الحارث بن أسد - وإن كان زاهدا - فإنه كان عنده شئ من علم الكلام ، وكان أحمد يكره ذلك .
--> ( 1 ) الكسب : عصارة الدهن ( ثفل الدهن ) انظر القاموس المحيط 1 / 124 ، ومختار الصحاح ص 570 . ( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 215 ، وميزان الاعتدال 1 / 430 ، ومناقب الإمام أحمد ص 185 ، والبداية والنهاية 10 / 344 ، وصحح الذهبي وابن حجر ( في التهذيب 2 / 117 ) إسناد هذه الرواية .